أبو نصر الفارابي

131

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

دوام عليها أكثر ، صارت هيئته تلك أقوى وأفضل ، وتزايدت قوّتها وفضيلتها . كما أن المداومة على الأفعال الجيّدة من أفعال الكتابة تكسب الانسان جودة صناعة الكتابة ، وكلما داوم على تلك الأفعال أكثر صارت الصناعة التي بها تكون تلك الأفعال أقوى وأفضل ، وتزيد قوتها وفضيلتها بتكرير أفعالها ، ويكون الالتذاذ التابع لتلك الهيئة النفسانية أكثر ، واغتباط الانسان عليها نفسه أكثر ، ومحبّته لها أزيد . وتلك حال الأفعال التي ينال بها السعادة : فإنها كلما زيدت منها وتكررت وواظب الانسان عليها ، صيّرت النفس التي شأنها أن تسعد أقوى وأفضل وأكمل إلى أن تصير من حد الكمال إلى أن تستغني عن المادة ، فتحصل متبرئة منها ، فلا تتلف بتلف المادة ، ولا إذا بقيت احتاجت إلى مادة « 1 » . فإذا حصلت مفارقة للمادة ، غير متجسمة ، ارتفعت عنها الأعراض التي تعرض للأجسام من جهة ما هي أجسام ، فلا يمكن فيها أن يقال إنها تتحرك ولا إنها تسكن . وينبغي حينئذ أن يقال عليها الأقاويل التي تليق بما ليس بجسم . وكلما وقع في نفس الانسان من شيء يوصف به الجسم بما هو جسم ، فينبغي أن يسلب عن الأنفس المفارقة . و ( أن ) يفهم حالها هذه وتصورها عسير غير معتاد . وكذلك يرتفع عنها كل ما كان يلحقها ويعرض لها بمقارنتها للأجسام . ولما كانت هذه الأنفس التي فارقت ، أنفسا كانت في هيوليات مختلفة ، وكان تبين أن الهيئات النفسانية تتبع مزاجات الأبدان ، بعضها أكثر

--> ( 1 ) هناك أشياء مشتركة بين أهل المدينة الفاضلة وأشياء خاصة بكل رتبة فيها .